الشهيد الثاني
43
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ( تحقيق مجمع الفكر الإسلامي )
« تيمور لنك » فصار معه قَسراً ، إلى أن توفّي في حدود سنة خمس وتسعين وسبعمئة ، بعد أن استشهد المصنّف قدس سره بتسع سنين . وكان بينه وبين المصنّف قدس سره مودّة ومكاتبة على البُعد إلى العراق ثمّ إلى الشام ، وطلب منه أخيراً التوجّه إلى بلاده في مكاتبة شريفة « 1 » أكثر فيها من
--> ( 1 ) وإليك نصّ المكاتبة : بسم اللَّه الرحمن الرحيم سلامٌ كَنشْرِ العَنْبَرِ المتَضَوِّع * يُخَلِّفُ رِيحَ المِسْكِ في كُلِّ موضعِ سلامٌ يُباهِي البَدْرَ في كُلِّ منزلٍ * سلامٌ يُضاهِي الشَمْسَفي كُلِّ مَطْلَعِ على شمس دِينِ الحقِّ دام ظلالُه * بجدّ سعيدٍ في نعيم مُمَتِّعِ أدام اللَّه مجلسَ المولى الإمام ، العالِم العامل ، الفاضل الكامِل ، السالِكِ الناسِك ، رضيّ الأخلاقِ ، وفيّ الأعراقِ ، علّامة العالَم ، مُرشِد طوائف الأمم ، قُدْوة العلماء الراسخين ، اسْوة الفضلاء المحقِّقين ، مُفتي الفِرَق ، الفاروق بالحقّ ، حاوي فُنون الفضائل والمعالي ، حائز قَصَبِ السَبْقِ في حَلْبَةِ الأعاظم والأعالي ، وارث علومِ الأنبياء المرسلين ، مُحيي مَراسِم الأئمة الطاهرين ، سرّ اللَّهِ في الأرضين ، مولانا شمس الملّة والحقّ والدين ، مَدَّ اللَّه أطنابَ ظِلالِهِ بمحمّدٍ وآله في دولةٍ راسيةِ الأوْتادِ ، ونعمةٍ متّصلةِ الْامدادِ إلى يَوْم التَنادِ . وبعدُ ، فالمحبُّ المشتاقُ مُشتاقٌ إلى كريم لِقائه غايةَ الاشتياقِ ، وأنْ يتشرّف بُعد البعاد بقُربِ التلاق . حَرُمَ الطرفُ من مَحْياك لكنْ * حَظِيَ القلبُ من حُمَيّاك رَيّا يُنْهِي إلى ذلك الجناب ، لا زالَ مَرْجِعاً لُاولي الْالباب : أنّ شيعةَ خراسانَ صانَها اللَّه تعالى عن الحَدثانِ ، مُتَعطِّشون إلى زلالِ وِصاله ، والاغتراف من بحار فضله وإفضاله . وأفاضلُ هذه الديار قد مَزَّقَتْ شَمْلَهم أيدي الأدوار ، وفَرَّقَتْ جُلّهم بل كلَّهم صُنوفُ صُروفِ الليل والنهار . وقال أمير المؤمنين عليه سلام ربِّ العالمين : « ثلْمة الدين موت العلماء » وإنّا لا نجدُ فينا من يُوثَقُ بعلمه في فُتياه ، أو يَهْتَدِي الناسُ برُشْده وهُداه ، فيسألون اللَّه تعالى شرفَ حضورِه ، والاستضاءة بأشعَّة نوره ، والاقتداءَ بعلومه الشريفة والاهتداءَ بِرسُومه المنيفة . واليقينُ بكرمه العميم وفضله الجسيم أنْ لا يُخَيِّبَ رجاءَهم ولا يَرُدَّ دعاءهم ، ويُسْعِف مسؤولَهم ، ويُنْجِحَ مأمولَهم . إذا كان الدعاءُ لَمحْضِ خيرٍ * على يَدَيِ الكريم فلا يُرَدُّ امتثالًا لما قاله اللَّه تعالى : ( والذين يَصِلون ما أمر اللَّه به أنْ يُوصَلَ ) . ولا شكّ أنّ أوْلَى الأرحام بالصلةِ الرَحِمُ الإسلاميةُ الروحانيةُ ، وأحْرَى القَراباتِ بالرعاية القَرابة الإ يمانيةُ ثم الجسمانيةُ ، فهما عُقْدتانِ لا تَحُلُّهما الأدوار والأطوارُ ، بل شُعْبتانِ لا يَهْدمُهما إعصار الأعصار ، ونحن نخافُ غَضَبَ اللَّهِ على هذه البلاد ، لِفِقدان المرشِدِ وعدمِ الإرشاد . والمسؤول من إنعامه العامِّ ، وإكرامه التامّ أنْ يَتَفَضَّلَ علينا ، ويَتَوَجَّه إلينا ، مُتوكِّلًا على اللَّه القدير ، غير مُتَعَلِّلٍ بنوع من المعاذير ؛ فإنّا بحمد اللَّه نَعْرِفُ قَدْرَه ، ونَسْتَعْظِمُ أمرَه ، إنْ شاء اللَّه تعالى . والمتوقّعُ مِن مَكارِمِ صفاته ومَحاسِنِ ذاته إسْبال ذَيْل العفوِ على هذا الهَفْوِ . والسلامُ على أهل الإسلام المحبُّ المشتاقُ عليّ بن مؤيِّد ( شهداء الفضيلة : 89 ) .